ابن كثير

364

البداية والنهاية

الاسناد ولم يخرجاه ، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال خير أصحابك في الأسارى إن شاؤوا الفداء وإن شاؤوا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم ، قالوا الفداء أو يقتل منا . وهذا حديث غريب جدا ، ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم . وقد قال ابن إسحاق : عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم . وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن إسحاق وغيره وقال الأعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا . وهكذا روى عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ، وقال مجاهد والثوري : ( لولا كتاب من الله سبق ) أي لهم بالمغفرة . وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الأول أن المغانم وفداء الأسارى حلال لكم ، ولهذا قال بعده : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) وهكذا روي عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والأعمش ، واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا القول بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة " . وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا " ولهذا قال تعالى : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) فأذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الأسارى وقد قال أبو داود : حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي ( 1 ) ثنا سفيان بن حبيب ، ثنا شعبة ، عن أبي العنبس ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة ( 2 ) ، وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال ، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم ( 3 ) . وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة فقال تعالى : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم ) الآية [ الأنفال : 70 ] . وقال الوالبي عن ابن عباس نزلت في العباس ففادي نفسه بالأربعين أوقية من ذهب قال العباس ، فأتاني الله أربعين عبدا - يعني كلهم يتجر له - قال وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه ( 4 ) . وقال ابن إسحاق : حدثني العباس بن

--> ( 1 ) العيشي : من سنن أبي داود ودلائل البيهقي . وفي الأصل : العبسي وهو تحريف . ( 2 ) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب فداء الأسير بالمال ح 2691 ج 3 / 61 - 62 . ( 3 ) قال الواقدي : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء يوم بدر أربعة آلاف لكل رجل . وفي رواية له : أرفعهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى الفين إلى ألف إلى قوم لا مال لهم من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( 4 ) دلائل البيهقي 3 / 143 .